الأربعاء، 4 يناير، 2012

خير مصر على العرب منذ القدم

مصر ‏..‏ يا عرب .. بقلم: سناء البيسى

31-12-2011




سناء البيسي


ويتبادل قادة الخليج العربي التهاني والقبل فوق الأكتاف والأنف في قصر الدرعية بالرياض في السعودية‏,‏ حيث التأم اجتماع قمتهم الـ‏32‏ علي خير وافر وكثير‏.

بغض النظر فيما حدث من سحابات صيف لا تذكر في البحرين والكويت وعمان التي لا تعدو زوبعة في فنجان ومجرد رشح أنفلونزا خفيف أمكن محاصرته بقرصين أسبرين بالمقارنة بالحمي القلاعية التي اجتاحت تونس ومصر وليبيا واقتلعت من الجذور بن علي ومبارك وصرعت القذافي داخل ماسورة مجاري, وفي سبيلها لهد كيان سفاح سوريا, ووضع حد للمراوغ صالح الذي لم يعد صالحا لليمن الشقيق.. التقي قادة النفط علي مائدة النعم والاستقرار وتريليون دولار من فوائض الدخل نائمة علي ريش النعام, بينما في الجوار دول من الأرق والقلق وسوء المنطلق والحال لا تنام وتنهار اقتصاديا في ربيع قطفت زهوره وتفحمت خضرته وانطفأت شموعه وتعطلت موارده وتفاقمت بطالته وبطل استقراره وخمدت تنميته التي لا تزدهر إلا بوظائف جديدة, والوظائف في حاجة للمال, والمال عند الإخوة سكان القصور علي شط بحر النفط.. وليس حسدا وامسكوا الخشب فبينما هناك مخاوف في أوروبا من شبح الركود الاقتصادي وإشهار إفلاس دولة مثل اليونان, تعلن السعودية عن أضخم ميزانية في تاريخها تقدر بنحو690 مليار ريال(184 مليار دولار) للعام المالي المقبل بزيادة قدرها110 مليارات ريال عن العام المنتهي فيما قدرت إيراداتها بـ702 مليار ريال(1872 مليار دولار) بفائض نحو12 مليار دولار, هذا وقد بلغت ثروات50 شخصية عربية نفطية25667 مليار دولار في عام ربيع الثورات بزيادة476% عن العام الماضي, أي أن متوسط ثروة كل واحد منهم يبلغ513 مليون, والعدد في الليمون وعيني عليهم باردة وإن لم تكن باردة بالقوي بعد أن حولت البليون إلي مليون ثم ضربت الجميع فيها بلغه الدولار بالنسبة للجنيه المصري المنزلق فوجدتها في عين العدو تبلغ ما يزيد علي30 ألف مليار.

وقد جاء في صدر تلك الأسماء
المليارية ـ اسم الله عليهم وعلي عيون ثرواتهم المتوالدة ــ الأمير الوليد بن طلال بثروة بلغت21.3 مليار دولار, محتفظا بموقعه المتصدر علي رأس القائمة للعام الثامن علي التوالي, يليه رجل الأعمال محمد بن عيسي الجابر بثروته التي بلغت12.75 مليار دولار, واحتلت عائلة العليا المرتبة الثالثة بثروة قدرها12.4 مليار دولار, وحل في المركز البلاتيني الرابع عصام الزاهد برصيد10.7 مليار دولار.. ولم تخل القائمة البليونية من صنف النساء تأكيدا لمشاركتهن في جميع الميادين لتأتي لبني العليان في المركز الثالث ضمن ثماني شخصيات جديدة انضمت لقائمة العام الماضي, وأيضا نايلة الحايك في المرتبة الـ38 بثروتها المتواضعة لزوم الفكة والكماليات التي بلغت3 مليار دولار فقط لا غير!

واعذروني وسامحوني علي ذكر كل تلك الأرقام المليارية المتعاقبة فحديثها علي لساني وقلمي له مذاق خاص, خاصة عندما أقارنها بالمليار دولار اليتيم الذي وصل إلي مصر مشطورا نصفين من الإخوة العرب من مبلغ10 مليارات كانوا قد قرروها لدعم مصر في صور مشروعات وقروض ميسرة.. ولك الله يا مصر يا أم العرب التي جلس يتفرج عليها بعض أبناء العرب من العلالي ليدبجوا ويدججوا في ثورتها وأزمتها الاقتصادية والسياسية المقالات الناقدة الحارقة الشائكة الناصحة بوجوب تخلصها من عقدة حضارتها ذات السبعة آلاف عام بينما ــ كما يدعون ــ أن المسافة التي تفصل بينها وبين تلك الحضارة هي سبعة آلاف عام, وعليها الخروج من هذا الوهم الحضاري المنصرم بسرعة للوصول إلي ما يتمناه أي عربي لها!!!!.. بل يستكثرون عليها مناداة ثورتها الآن بالديمقراطية لأنها ــ كما يدعون ــ لم تذقها في تاريخها الذي عاشته تحت وطأة الديكتاتوريات المختلفة, ومن هنا ــ كما يدعون ــ لابد من إيمان المصريين بجهلهم التاريخي بالديمقراطية وخلقها من نقطة الصفر, ومصر ــ كما يدعون ـ تحتاج في هذه الفترة بالذات إلي معرفة نفسها, واكتشاف تفاصيلها, وهي إن فعلت ذلك ــ وذلك فقط ــ وبسرعة, تصبح هنا قادرة علي التغيير!!

ووحده الخالق من له في خلقه شئون يرفع من يشاء, ويغني من يشاء, ويفجر النفط في بطن أرض من يشاء, وفي أقل من عشر سنوات أينما وجهت أنفك ووليت وجهك أصبحت تشم رائحة النفط علي خريطة الوطن العربي لتحقق صادراته كل ما تشتهيه النفس الخليجية التي عانت قرونا جفاف الصحراء, وقبل النفط كان العمل معيار القيمة ومحدد الأدوار علي مستوي الأفراد والأقطار, فكانت مصر هي مركز الوطن لأنها أكبر أقطاره وأعظم مخازن للطاقة فيه, حين كانت الطاقة عملا وعرقا لا سولارا ونفطا, وإبداعا وفنا لا كسلا وبذخا, وبعد أن كنا أشقاء ننجذب إلي أكثرنا علما وتراثا وفقها, أصبحنا نلهث خلف أكثرنا آبارا وأوفرنا ثراء, فقد أصبح هو وحده من يمنح ويمنع, ويقول فيسمع, ويأمر فيطاع, وغدونا الفروع الفقيرة في الأسرة الثرية ــ أولاد الجارية ــ التي تترك طويلا عند الباب حتي يسمح لها بالدخول, وإذا ما جاء أوان الزكاة يرسلونها مفضوحة علي الملأ يحملها الغلمان عبر الإذاعات والتصريحات والمؤتمرات, وفي أوان العمرة والحج ــ رغم ما تسهم به الفروع الشقيانة للميزانية الوارمة من ملايين ــ تجنب وحدها منبوذة علي أرض المطار حتي الانتهاء من خدمة حميع الأقارب والزوار القادمين من جميع أرجاء الكون.. وفي وظائف دول النفط يظل أبناؤها مأجورين بأقل التكاليف يبنون ويعمرون فيستكثرون عليهم أن يقتصدوا ما يضمن لهم سقفا يستترون به, وقبرا يدفنون فيه إذا ما عادوا إلي بلادهم التي لا تدر ضروعها سوي الماء لا النفط, فيتهمونهم بالبخل والشره, وكأنهم يشحدون ولا يعملون, وكأن ذنبهم أنهم نشأوا علي ضفاف حضارة العمل لا الكسل, وسطور العرق المالح لا فورة النفط المانح.. ولأن دول النفط قد أصبحت سوق الرأسمالية فهي لا تخضع لأي تخطيط يحكم أهواءها, ولا أية اتفاقات تضبطها أو تسيرها أو تلمها, ومن هنا ساد قانون العرض والطلب لتشتد الخلافات والصراعات بين أبناء أفرع العائلة الفقيرة ليتلذذ أصحاب الميمنة في مشاهدة عروض صراع الديكة المتنمرة.. وفجأة يقرر النائمون في بحور الذهب تجديد طاقم الخدم من أبناء الفروع الفقيرة في العائلة ــ أقارب الدرجة الثالثة والرابعة ــ إلي جيش خدم عرمرم قادم من الشرق ــ العمالة الآسيوية ــ من كوريا وباكستان والهند والأفغان.. عمالة تتقاضي مرتبات مضاعفة بشروط وعقود وحقوق وتدخل سفارات, لكن ميزتها عمن سبقها انغلاقها علي نفسها, لا لها دعوة بالسياسة, ولا بأسواق النخاسة, ولا بنقل جراثيم أيديولوجياتها للمجتمعات المنغلقة, ولا في أجندتها حسد لموائد أصحاب القصور الهنية التي تلقي زي ما هي في القمامة.. و..ليست شماتة أن قد بلغ تعداد العمالة القادمة من الهند والسند وبلاد تركب الأفيال أكثر من80% من شريحة سكان الخليج وحده, وتعالت الصرخات تحذر من مصير فلسطيني, وتربط بين الهجرة الآسيوية والهجرة الصهيونية.. و..ضج علماء الاجتماع من اتساع هوة الفجوة بين أخلاقيات وقيم, ودين جيل الآباء وجيل الأبناء الذين تشرف علي تربيتهم ومشروباتهم المربية الآسيوية التي أصبحت بمثابة الضرة الفعلية للزوجة الخليجية بشعرها الناعم وجلدها الناعم وقولها الناعم الذي لا يعرف الرفض مادام هناك مقابل بالدينار, وفي حيازة رجال النفط براميل الدنانير!

وللتاريخ الذي نفخر بحضارته ولا يمتد ــ لا مؤاخذة ــ إلي ماضي السبعة آلاف عام أن مصر قد تشرفت بتطريز كسوة الكعبة الشريفة منذ عصر عمر بن الخطاب13 هـ حتي عام1372 هـ ــ1962 م ــ لتحمل الكسوة اسم رأس السلطة السياسية المسيطرة علي الحرم سواء أكان الخليفة الأموي أو العباسي أو حتي سلاطين مصر في العصر الطولوني والأخشيدي والفاطمي والأيوبي ثم المملوكي والعثماني وحتي أسرة محمد علي, وظل اسم مصر بعد الثورة, واسم الجمهورية العربية المتحدة بعد الوحدة مع سوريا عام1958 مطرزا علي الكسوة المشرفة, ولم يصطدم تطريز الكسوة في مصر إلا مع أسرة آل سعود الحجازية لتعارض ما يصاحب المحمل من موسيقي عسكرية ومزمار بلدي من مظاهر الأفراح المصرية بالحج, مع الموقف الديني الوهابي الذي تحالفت معه الأسرة السعودية.. وكان الصدام الأول في عام1808 مع محمد علي بمهاجمة المحمل فقاد حملة بنفسه إلي الحجاز وحقق النصر بالاستيلاء علي مكة وأدي فريضة الحج, وكسا الكعبة بالكسوة المصرية, وتجددت الأزمة كما جاء في مؤلف الباحث محمد علي السيد من دروب الحج في مصر عام1926 عندما أعلنت دولة آل سعود الثانية ووصل الأمر إلي حرق المحمل الذي أرسله الملك فؤاد وكان وقتها يتنافس مع عبدالعزيز آل سعود علي إعلان نفسه خليفة للمسلمين بعد قضاء كمال أتاتورك علي الخلافة الإسلامية في استامبول عام1924, وكانت الظروف السياسية العالمية وقتها لا تسمح للملك فؤاد بتكرار ما فعله جده محمد علي بالصراع المسلح, واكتفي بقطع العلاقات حتي عام1936, واضطرت الدولة السعودية الوليدة رغم مصاعبها الاقتصادية إلي إنشاء مصنع خاص للكسوة مستعينة بالصناع الهنود لمدة عشر سنوات امتنعت مصر فيها عن إرسال كسوتها السنوية وكذا صرة الأموال اللازمة للصرف علي الحرمين الشريفين وأشراف مكة وفقراء المسلمين.. وتولي فاروق عام1936 وهو في السادسة عشرة وأتي الملك عبدالعزيز للعزاء في وفاة والده فؤاد, ووقعت معاهدة الصداقة مقابل اعتراف مصر الرسمي بالدولة السعودية دولة ذات سيادة مطلقة, وعادت الكسوة والصرة.. وكانت مصر حتي معاهدة سايكس بيكو عام1916 ـــ عندما أصبح الحجاز شبه مستقل سياسيا عن مصر ــ ترسل له الميزانية السنوية, والغلال اللازمة لإطعام أهله, وكذا المعونات التي ترسلها مع المحمل سنويا.. ومع ثورة يوليو1952 ظهرت بشائر النفط وعوائده في السعودية لتحقق استقلالا اقتصاديا تمكنت معه من إمداد مصر بحوالي100 مليون دولار أثناء العدوان الثلاثي عليها عام..1956 ويأتي عام1962 لتصل الخلافات المصرية ــ السعودية إلي ذروتها, وترفض السعودية الكسوة المصرية لاجئة إلي مخازن الكعبة لصنع كسوة من الأقمشة القديمة المتبقية وتبدأ في إنشاء مبني مستقل للكسوة في منطقة أم جود افتتحه رسميا الملك خالد بن عبدالعزيز عام1977 لتتغير بعض نقوش الأستار ليكتب كمثال من سورة الأعراف ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين بدلا من ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار من سورة البقرة, وأصبح قماش الكسوة الحريري يستورد من إيطاليا بدلا من أن تجهزه مصر كعادتها وتصبغه باللون الأسود حتي عام..1962

وإذا ما كانت العلاقات تتوتر في بعض المواقف بين العرب فإنه في الشدائد تعرف الإخوان ــ الأخوة الأشقاء ــ وكانت الشدة الكبري في نكسة67 التي ذهب عبدالناصر بعدها إلي مؤتمر الخرطوم لتفاجئه السودان باستقبال حار منقطع النظير أدهش العالم كله حتي أن مجلتي نيوزويك والتايم كتبتا تعليقا يقول: لقد خرجت السودان لاستقبال المغلوب كما تستقبل الغزاة الفاتحين.. وفي أروقة المؤتمر لم يلق عبدالناصر شماتة في مصر, وإنما موقفا عربيا كريما أذهله, فقد قررت كل من السعودية والكويت وليبيا دعم مصر بما يوازي دخل قناة السويس, وهو الذي لم يكن يطمع في أكثر من5 ملايين علي أكثر تقدير.. لقد دفع الملك فيصل وحده50 مليونا, وطلب من ليبيا دفع55 مليونا ومن الكويت30 مليونا, علي أن توزع هذه المبالغ علي مصر والأردن..

ويصف السادات الملك فيصل في أوراقه التي سجلها معه صديقه الوفي الكاتب الراحل أنيس منصور في جلسات حوار تاريخية بأن الملك فيصل كان قليل الكلام فإذا تكلم فكلماته القليلة توزن بالذهب أو بالماس, وقد علمته التجارب أن يجد لكل إنسان عذرا, وهو عندما جلس في مواجهة عبدالناصر في السودان رأي أمامه زعيما عربيا جريحا جرحا عميقا والموقف يقتضي الأخذ بيد القائد المقهور.. وبانتهاء المؤتمر وعودة جمال قال السادات: أشهد الله أن الرجل كان متأثرا بشكل بالغ, وما فعله الملك فيصل معه قد أصاب شغاف قلبه مما جعله قد بدا وكأن السن تقدمت به خمسون عاما اشتعل فيها رأسه شيبا وصارحني بأنه قد أخطأ فهم( هؤلاء الناس) واستدعي أمامي سامي شرف قائلا بوضوح تام‏..‏ بقلم: سناء البيسى لا هجوم علي السعودية ولا هجوم علي ليبيا منذ هذه اللحظة مفهوم..)وظلت أجهزة الإعلام تواصل هجومها ولا تنفذ له أمرا.. ورأي جمال عبدالناصر أن يصلح ما أفسدته أجهزته علي الطبيعة فوجه دعوة للملك فيصل لزيارة مصر لفتح صفحة جديدة في العلاقات فلبي الملك الدعوة, وبعد العشاء في بيت عبدالناصر بمنشية البكري, وفي نبرة حكيمة هادئة وعلي مسامع جميع الحضور قال فيصل الملك‏..‏ بقلم: سناء البيسى يا فخامة الرئيس مازال الهجوم علينا عنيفا, ومايزال بعض المصريين يعملون ضدنا في بلادنا).. وانفجر عبدالناصر غاضبا وهو يقول‏..‏ بقلم: سناء البيسى أرجوك يا جلالة الملك أن تشير الآن وفورا إلي أي شخص يرتكب مثل هذه الأعمال أو الأقوال في مصر أو في أي مكان وأنا أرسله إليك لتحاكمه هناك علي أرض السعودية.. حتي لو كان ذلك الشخص هو أنور السادات).

وكان جمال يعلم مدي صداقتي للملك فيصل من أنها لا تقل في قوتها وعمقها وحرصي عليها من صداقتي له شخصيا, ولأول مرة أسمع عبدالناصر يقولها علي شفتيه.. هذه الكلمة: توبة, وكان يقصد أن يتوب عن مهاجمة رجال في وزن الملك فيصل.... ولأن علاقة مصر كانت مقطوعة بالدول العربية والغربية فقد لجأ عبدالناصر للملك إدريس السنوسي طالبا مبلغ عشرين مليون جنيه ثمنا للسلاح من الاتحاد السوفيتي, فاستجاب الملك إدريس علي الفور مرسلا بناظر الخاصة الملكية بشيك بمبلغ عشرة ملايين دولار كدفعة أولي, علي أن يرسل الباقي بعد ثلاثة أشهر بالتمام عندما تدفع شركات البترول له أقساطها.. وقامت ثورة ليبيا قبل الشيك الثاني وكان السنوسي مريضا يعالج في اليونان.. وأبدا لم يطلب جمال عبدالناصر من الملك السنوي مرة واحدة أن يسمح بمرور المساعدات العسكرية إلي الجزائر, إلا وجد ترحيبا شديدا وموافقة فورية, ولذلك مرت أكثر المساعدات من ليبيا إلي الجزائر رغم وجود القوات الأجنبية علي الأرض الليبية, وأكثر من ذلك أن عبدالناصر طلب تخزين الأسلحة علي الحدود الليبية الجزائرية جنوب تونس لكي تتمكن القوات الثورية التي يدعمها في الجزائر من الحصول علي العتاد في الوقت الذي تشاء, ووافق الملك السنوسي.

ولقد كان الملك فيصل هو الوحيد إلي جانب الأسد الذي عرف بتوقيت حرب أكتوبر, فقد سافر إليه السادات في شهر أغسطس ليدور بينهما الحوار الذي قال فيه السادات: سوف نحارب اليهود بإذن الله.. وقد اتفقت مع الرئيس حافظ الأسد علي ذلك فيرفع الرجل رأسه إلي السماء ليدعو لهم بالنصر قائلا: لي طلب وحيد. وهو إذا قمتم بحرب فلا توقفوها بعد ساعات أو أيام قليلة.. اجعلوها معركة طويلة.. فإذا طالت استطعنا أن نبني عليها موقفا عربيا موحدا..... ويقول السادات: لا أنسي هذه العبارة. إنها عبارة الحكمة التي يستطيع الإنسان أن يؤلف عنها كتبا في السياسة والاستراتيجية.. إنها حكمة الرجل الذي وهبه الله حسن الإدراك, ونبل الشعور وبعد النظر.. لقد كانت وفاة الرجل خسارة بالغة للأمة العربية, وقد ظن البعض أنني طلبت إلي الملك فيصل أن يساعدنا بالبترول.. أبدا.. لقد كان كل ما قلته له‏..‏ بقلم: سناء البيسى إن علينا أن نحرك الموقف عسكريا ونحارب.. أما دورك أنت فإنني أتركه لك.. فافعل ما تشاء وما تقدر عليه).. وقلت له بالحرف الواحد‏..‏ بقلم: سناء البيسى أنت رب البيت.. ورب البيت أدري بما فيه ومن فيه)!. ولم يكن الملك فيصل في حاجة إلي أن أقول له أكثر من ذلك.. فهو رجل حكيم وعظيم.. وقد أدرك كل شيء بذكائه وفطنته)..

وإذا ما انتفض حاكم الشارقة السلطان بن محمد القاسمي متأثرا بما جري للمجمع العلمي المصري من دمار, وتعهد في نفس اليوم بترميم المجمع علي نفقته الخاصة متبرعا بمكتبته الخاصة التي تضم النادر من الوثائق والكتب ومن بينها نسخة لكتاب وصف مصر والمجلة الدورية التي ظهرت عام1860, وخرائط الأمير يوسف كمال النادرة, في الوقت الذي يقوم فيه السلطان القاسمي حاليا ببناء دار الوثائق المصرية بعين الصيرة والتي سينتهي العمل منها مع يناير المقبل لتضم جميع الوثائق الموجودة في مجلس الوزراء ومجلس الشعب والمؤسسات لحفظها بالطرق العلمية الصحيحة التي تضمن عدم تعرضها للعبث... وكل تلك المشاعر حبا وعرفانا من إمارة الشارقة لمصر وشعب مصر الشقيق الذي طالما قام بدور حيوي في تعليم وتنوير وتثقيف أشقائه العرب, ولم يبخل عليهم بما لديه من إمكانات تعليمية ومادية وبشرية حتي في الفترات الصعبة مشيرا إلي البعثة التعليمية المصرية التي أرسلتها مصر إلي الشارقة عام1954 رغم مرور مصر وقتها بأزمة بالغة في العملة الأجنبية.

وبكلام الأديب المصري للنخاع يوسف إدريس السهل الممتنع تلمس قلوبنا مشاعر المصري المغترب في بلاد النفط المقترب من سواحل أم الدنيا التي تتبدي لأبنائها كالمعجزة مع موكب الشمس علي صفحة الأفق, لتصفق لقدومها طيور النورس بأجنحتها علي صفحة الماء.. ويظلم الأفق قليلا ثم يشرق علي خط رمادي طويل وتسري همهمة: هي... مش هي.. دي سحابة يا جدع.. لسه لها بعيد.

وتطلق الباخرة صفارة لها ضجيج مبحوح مرتعش..
وتبطئ من سيرها وينخفض أزيز المحرك..
وتصفو زرقة السماء حتي أصبح لا يعادلها إلا زرقة البحر..
وخبط الأسطي شرف حامد علي كتفه ثم ضمه وهو يهتز ويقول:
- واد يا حمادة.. ولا يا حمادة.. وصلنا يا واد
وسكت قليلا ولما تبين أن التي علي مرمي البصر أرض حقيقية انتابته الخفة:
- والنبي هيه.. بلدنا أهه.. يا سلام يا جدعان..
- وصلنا يا عم عوض
- ودي مصر يا عم عوض؟
- والنبي مصر ياخويا..
- عشنا وشفناها..
- وشفناها..
- أم الدنيا؟
- أم الدنيا
- يا أخي لها وحشة..
- ياه.. الواحد نفسه في قرص طعمية سخن..
- الله.. الواحد قلبه بيدق..
- بقي هي دي اللي الواحد سابها قرفان؟
- بذمتك مش شامم الريحة؟
- صحيح..! ريحة!.. والنبي مصر لها ريحة.. بذمتك مش شامم..
- يا تري أخبارك إيه يا مصر؟ ومين مات ومين عاش؟!ودوت صفارة الباخرة طويلة ممدوة هذه المرة..
وأقبل لنش بخاري فيه بحار وفيه عسكر وضباط, وحين كان اللنش يدور حول نفسه ليرسو خلع قائد اللنش الكاسكيت من رأسه ولوح به قائلا بترحيب طيب لا ادعاء فيه:
- حمدالله ع السلامة يا جماعة..
واندفع الأسطي شرف يقول بصوت كالرعد:
- الله يسلمك.. ميت فل عليك.
وسكت يستجمع أنفاسه ثم انفجر بكل ما يملك:
- تحيا مصر يا جدعان.. والنبي تحيا مصر.. الله.. هو احنا لنا غيرها يا اخوانا.. والنبي لولا بركتها ما نساوي بصلة!.. الله دي بلدنا!.. دي بلدنا يا رجالة.. وألا إيه؟
وتهدج صوته حتي ظن الناس أنه يبكي..
وأصبحت السويس تملأ الأفق.. وبدت كبيرة لا تحدها الرؤية, وبدت الباخرة إلي جوارها كالسردينة الميتة الطافية..
وبعد هذا نسي الجميع أنفسهم, ولم يعوا شيئا وهم يختمون الجوازات, ويحضرون الأمتعة.. ويتعاونون علي حمل السحارات الصفيح وقد انتابتهم خفة الأطفال في يوم العيد..
وعلا الضجيج حتي أصبح الصارخ لا يسمع نفسه..
ولا ح الرصيف..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حدث خطأ في هذه الأداة